غربة عامل

تغرب من بلده لأجل العمل. يعيل أسرة من أربعة أبناء يعيشون في قرية صغيرة تطل على خليج البنغال. حيث فيها لا ماء ولا كهرباء. يعيشون حياة بدائية بسيطة وتنقصهم كل أنواع ووسائل العيش الكريم. في صغره كان لديه حلم بأن يعمل في مجموعة دول مجاورة. يقال بأنها تطفوا على بحر من الماء الأسود. وفيها من كل الخيرات وجمال الكون. كان يترقب بلوغ الثامنة عشر ليزور إحدى هذه البلدان التي يسمع عنها من قريب كثيراً. كان دائما ما يتخيل بأنه سيسكن يوماً غرفة فيها كهرباء بكبسة زر واحدة توقد المصابيح الكهربائية.  وماء عذب يصل عبر الأنابيب المعدنية. لا يكون بحاجة لأن يقطع مسافات حتى يجلب الماء من إحدى الآبار التي تقع على حدود القرية. كان يحلم بطعام مطبوخ على موقد كهربائي كالذي يملكه عمدة قريتهم والذي لا يُطبخ فيه إلا في المناسبات الشعبية. يجتمعون ويأتي كل فرد من أهل الحي بكل ما لديه من طعام لينضج في تلك الليلة بطريقة عصرية حسب قولهم. 

بلغ الثامنة عشر. باع أهله ورهنوا جل ما يملكون من أدوات زراعيه تقليديه. والده تعهد بأن يعمل ساعات إضافيه مقابل حفنه من المال. ساعد جميع أهل القريه المقربين منهم ذلك الصبي ليذهب في رحلة عمله وبناء مستقبله. وليجلب لهم كما في اعتقادهم الخير الوفير والرزق الكثير يوماً ما. ودع أهل قريته جميعهم حيث كانوا مجتمعين. وعَبَر مسافات طويلة ماشياً على قدميه. وبعدها متنقل على ظهور بعض الدواب ليصل بداية المدينة. ومنها التحق بإحدى الحافلات المزدحمة بالبشر حيث وجد له مكانا في خلف الحافلة يتشبث به طوال ساعات الرحلة إلى محطه القطار الرئيسة. من هناك انطلق بقطار لساعات حتى يصل إلى أقرب مطار حيث الطائرة التي بصعودها يكون وضع أول خطوة تجاة تحقيق ذلك الحلم.

ما أن وصل إلى أرض الأحلام. سرعان ما باتت آماله تصغر يوماً بعد يوم. إلى أن تلاشت بعدها وما بات يعيش على حلم بل يحلم ليعيش! هو وجد المكان والبنيان والحياة التي لم يرها من قبل. لكن ليس له حظ ولا نصيب في أي منها. فهو ما هو إلا بائع مبتدئ في محل صغير في منطقة بعيدة عن المدينة كذلك. ليس له حظ من رؤية الأبراج الشاهقه ولا يكاد يوفر من راتبه ليأكل في المطاعم المتوسطة فضلاً عن الراقية. وليس معه المال الكاف ليعيش في غرفة عصرية حديثة. لكن على أية حال اليوم هو يشرب الماء الزلال من قناني معلبه. ويأكل كل يوم من طعام مطبوخ على موقد كهربائي حديث. وفي غرفة نومه المشتركة لديه كل أنواع الرفاهية إلى حد ما في نظره.

في يوم ما وبعد يوم عمل شاق. خرج لقضاء فترة استراحة قصيرة. وبينما هو يحاول قفل باب المحل بإحكام. مجموعة من الصبيان كانوا متجمهرين حول المحل المتواضع الذي يعمل فيه. يبيع بعض المستلزمات الرياضية. تقدمهم حسن يطالبه بأن يدعه يتبضع قليلاً. واندفع مع بعض أصحابه إلى داخل المحل. حاول منعهم من الدخول عنوة موضحاً أنها ساعة الراحة، لكن دون جدوى. وقف ينتظر خلاص أمرهم أو الخلاص منهم بخروجهم.

بعد عدة جولات في المحل. أخذوا ما أرادوا وهموا خارجين. حاول إيقافهم لأجل دفع الحساب وأنها بضاعة عليه بيعها لا توزيعها مجاناً على الزوار. دون نقاش أو تفاهم. تقدم أحدهم وضربه بعصا خشبية صلبة. كأنها قطعت من جذع شجرة. ضربه على وجهه مباشرة وولوا هاربين جميعهم. حاول لحاقهم دون أن يستطيع إثبات توازنه من شدة نزيف الدم من على مقدمة رأسه. تجمع حوله من أبناء جنسه وجنسيته لنقله لأقرب مشفى.

بعد أيام تقدم المجني عليه بطلب تنازله بعد زيارة بعض آباء المتهمين لأجل المصالحة. كيف لا وهم في نظره أصحاب لقمة عيشه التي لا يستطيع أن يرفض لهم طلباً وكذلك أعطوه مبلغاً من المال كان وفيراً بالنسبة له وزهيداً بالنسبة لهم.

لم يمر وقت طويل حتى قرر العودة إلى بلده. والرجوع إلى قريته بعد عشرون عاماً من العمل المتواصل. ذهب ومعه شيئاً يسيراً من المال وكثيرٌ من الذكريات القاسية أحياناً، والمؤلمة أحياناً أخرى. وجرح وجهه الذي لم يلتئم بعد!

نشرت في المدونة السابقة بتاريخ: 02/05/2017

Leave a comment