ألم يشعر أحدكم يوماً بالحنين لذكريات الطفولة وأيام الصبا، تلك الأيام التي لا يعيبها عيب ولا تشوبها شائبة. هو لم ينفك من أن يتذكر الشقاوة المتقلبة ولحظات الصغر الجميلة.
بينما كان الكثير من أقرانه يواجهون هم العمل والكد وجلب الرزق لأجل العيش الكريم، هو كان يواجه مصاعب من نوع آخر. فنسيان حاضره والعيش على أمل الذكريات القديمة هو شغله الشاغل وهمه الوحيد. أخبروه أن عجزه ليس نهاية المطاف ولكل داء دواء وبعد كل سقم عافية وشفاء، لكن هو لا يخبر نفسه إلا أنها نهاية الحياة وأنها ضاقت عليه وهي رحبة.
كان قابعا في زواية حجرته كعادته، وبعض أهله في زيارةٍ له يتلاطفون معه الحديث ويتجاذبون أطرافه ليهدئوا من روعه. لكن سرعان ما تشيح وجوههم عنه وبمجرد ما أن يفتح أحدهم موضوعا عن الحياة ينغمسون فيه وينسون أين هم ولماذا هم هنا معه! تنهد لوهلة حاول أن يشد إنتباه الكبار لطالما كان محط أنظارهم طوال حياته حتى في صباه كان ينتبه إليه الكبير قبل الصغير والغريب قبل القريب كان نابغاً وصبياً شقياً يعرف تدبير طفولته وتسيير حياته. لكن هذه المرة غير كل المرات، وتبادل الأدوار سبب له ضيقة في داخلة فاليوم هو يريد لفت كل انتباه له ونحوه. وبينما هو كذلك ومن حولة في حديث مستمر غير منقطع تنبه له طفل صغير فلاطفه هو وداعبه عل ذلك يعير إنتباه أحدهم له وتذكُرُهم أنهم هنا لأجله وللحديث في شأنه.
حينها وحسب، تمنى لو عاد به الزمن طفلاً صغيراً وشاباً يافعاً ومراهقاً ناضجاً هذه المرة، تمنى لو لم يأت اليوم الذي يرى فيه شفقة طفل وتعاطف غريب، ودمعة قريب. ليس لشيء سوى أن كبريائه لا يسمح له بذلك. ألم يشعر أحدكم يوماً بالحنين لذكريات الطفولة وأيام الصبا! تذكرها ثانية. ألم يتمنى أحدكم يوماً لو عاد به الزمن للوراء، لو كان اليوم أمساً! كان يجول في خاطره كل ذلك عندما قاطعه أحدهم بقوله إنما الحياة إبتلاء واختبار والصبر دواء لكل داء. وقتها أحس بوقرٍ في قلبه وشي في نفسه إعتدل في جلسته وسحب فراشه نحوه تنبه حينها فقط أن الدواء قد لا يكون شفاءً من سقم بل صبر على داء. فالصبر هو نفسه شفاء إن أراد أن يوقن به ويطيق حضوره ويتحمل أثره. لطالما هو نفسه لم يظن يوما أن الشفاء قد يكون بغير شربة دواء أو لمسة شفاء من طبيب.
في صفو الحياة لا يتخيل الإنسان الجريمة ولا الأفعال الشنيعة ولا الأمراض المزمنه، وفي زحمة الحياة وسير البناء مع سرعة العمل يبقى الصبر صاحباً غير معروف وضيفاً غير مرحب به. كان في طريقه إلى آخر زيارة يرى فيها الطبيب والناس حولة وكل من يحب أو تكتب له حياة جديدة بأمل جديد وأحلام سعيدة.
وهو في طريقه كان يمر على كل بقعة ومكان كان يجلس فيه ويتسامر مع أصحابه، المقهى، الدكان، السوق… ويقطع تفكيره مروره على ما كان يوماً مقر عمله ومكد عيشه ومكسب رزقه فيتحسر والألم بداخلة. قال في نفسه هي أيام مضت وانقضت وقد لا تعود يوماً أبداً.
ألم يشعر أحدكم يوماً بالحنين لذكريات الطفولة وأيام الصبا تذكرها للمرة الثالثة أو الرابعة بل ربما كان يتذكر هذه الجملة كل لحظة وحين. هي جملة قرأها يوماً بعد صحوِهِ من نومه وكانت قد وصلت إليه رسالة صغيرة على هاتفه ومع انشغالاته وازدحام جدول أعماله لم يعرها اهتماما ولم يلق لها بالاً. شاح بوجهه عن هاتفه وأغلق شاشته وهم بالخروج لشؤونه دون أن يتفكر فيها أو في مرسلها لحظة واحدة!
كل ذكرى وكل خيال انتابه وهو في طريقه، شتت فكرهُ حتى عن وجهته ونهاية دربه. إتكأ على المقعد الذي أمامه، أغمض عينيه، غاب عنه وعيه ولحقته بعدها بأيام روحه!
ما أقسى الذكريات حين تعيش فينا، وما أجمل الأطلال حين نمر عليها. وبينهما نتذكر أياماً جميلة انقضت وبقي أثرها حاضراً يجلب لنا لوعة في الفؤاد وحرقه في الصدر تارة ولوثة في العقل تارة أخرى!
نشرت في المدونة السابقة بتاريخ: 28/01/2016