من مفارقات الحياة

في غرفة الاستراحة أحتسي القليل من القهوة السوداء دون شيء آخر معها. ليس لأنني أحبها وحدها ولكن حتمية المكان والزمان يلزماني باختيارات طعام معينة وتوقيت معين. كنت منغمساً في قراءة رواية لعبد الرحمن منيف حين قاطعني قائلاً: نحن معاً منذ فترة وهذه أول مرة أراك تقرأ. أردف قائلاً: وأيضاً قصة حب ومجوسية! أكدت له أنني قارئ نهم، وإذا ما انهمكت في قراءة كتاب معين أجد نفسي فيه قد لا أنتهي حتى ينتهي الكتاب. وتجدني حينها ناشف الريق خاوي المعدة متعباً ومرهقاً من دون قصد. لكن الأيام وما تفعل حين تفرق بين الحبيبين. فقد باعدت بيني وبين مكتبتي قسراً ولكن لحين.

أول مرة قابلته فيها ليست هذه، بل جلسة سابقة في غرفة استراحة في مكان آخر. كانت مخصصة لاستراحة المرضى حيث يجمعونهم في صالة كبيرة، ويبقون حتى يشفى كل واحد منهم من مرضه. منهم هناك بسبب صداع وكحة. وآخر يعاني من كسر في رجله. وثالث لأجل لوثة في عقله. وقتها كنت أسبح في فضاء الطيران، وأنا أطالع مذكرات الطيار باتريك سميث وقد عنون كتابه «اسأل الطيار» وهو اسم مدونته في الأصل قبل أن يحولها إلى كتاب. فيه أمور عددتها من تاريخ الطيران وذكرى قد مضت، فقد مضى على الكتاب أكثر من 15 سنة. لهذا، فالكثير مما فيه ليس في عالمنا اليوم مع تطور عالم الطيران وتقدمه. والمضحك أنه في بعض الفقرات كان يتحدث عن طائرات معينة يقال إنها سوف تكون حقيقة. وأؤكد لكم أنها تحققت، واليوم نحن نسافر على متنها. على آية حال لم نتحدث وقتها طويلاً سوى أنه كان ينصحني بأن أكون اجتماعياً أكثر مع من حولي وأنها أيام علينا قضاؤها هنا شئنا أم أبينا حتى نتماثل للشفاء أقلها. فكرت لوهلة أن أشرح له سبب عزلتي عنهم، إلا إنني واصلت القراءة.

بعد اللقائين، صحوت على «برودكاست» وصلني وليست عادتي قراءة مثل تلكم الرسائل المجانية ولا تحمل أي فائدة مضافة عادة. إلا أنني أحياناً أتصفحها على عجل في لحظات الحاجة إلى القليل من الضحك المتواصل على أشياء مرسلة من مقاطع فيديو مركبة أو حتى تسجيل لأحد المراهقين وهو يتذاكى مع عامل البقالة في اتصال صوتي نسائي. من بين تلكم الرسائل ذلك الصباح رسالة تفيد بوفاة عبدالله. الصلاة عليه في التوقيت الفلاني ومرفق موقع العزاء. حتى ثلاثة أيام أخرى لم أكن بعد مقتنعاً بوفاته حقاً. السؤال الذي ما كاد ينفك عني لم هو؟ ولماذا هذا التوقيت؟ لم أجد له جواباً علمياً. أما القرآن الكريم فيؤكد أن كل نفس لها كتاب معلوم وأمرها بيد الرب جل وعلا.

بالمناسبة، لا يعرف صديقنا عبدالله أن ذلك الشخص الذي قابله في استراحة المرضى في الظهيرة هو نفسه الذي قابله في استراحة الطعام والذي هو نفسه من يكتب هذه الكلمات. وأخشى أنه لن يعلم إلى الأبد. القهوة لم تكن جيدة. أحدهم يؤكد لي لأنها أخذت بطريقة غير مشروعة. أما قناعتي وقتها فهي أن لذة الممنوع تعلو على المسموح عادة إلا في ذلك اليوم.

نشرت في جريدة الرؤية الإماراتية بتاريخ: 11/09/2017

http://www.alroeya.ae/146159/ 

Leave a comment