باردة أم ساخنة؟ 

المشكلة الأزلية التي حيرت شاربي ذلك السائل الأسود المعتق والمختلف في بلد نشأته. “فبينما العالم يغرق في احتساء الشاي. قرر أحدهم استحداث مشروب سمي بالقهوة فيما بعد وكان منافساً شريفاً لغيره.” يقول أحدهم. على أية حال ليست القضية في اختيار القهوة أو غيرها ولا فيما إذا اول بذرة نبتت في الشرق أو الغرب. بل فيما إذا كان علينا شربها باردة أم ساخنة؟

نقاشات ومناظرات أقيمت. أخذٌ ورد. رأيٌ وآخر. دفاع وهجوم. متحدث بينهم يؤكد أن أصل الحالة باردة ثم تأتي الحرارة دخيلة. بينما محتسي هائم في إحدى زوايا مقهى تقليدي يؤكد أن هذا المشروب يأخذه في حالة سكر شريف وابتعاد غير مخيف ونشوة تلحقها سعادة غامرة. هو يحتسي ذلك المشروب ساخناً منذ سنوات طويلة. هو أسود وساخن ومر. لا خصائص أخرى كما يقول.

بينما هو غائب عن وعيه بسكره المشروع ينادي بإغلاق كل بقعة تباع فيها القهوة باردة. يأتي رجل أعمال في خضم ذلك يغزو سوق الشاربين بقهوة باردة معلبة توضع بجانب أي مشروب غازي أو عصارة فاكهة. يجتمع عشاق القهوة الساخنة منددين بالاعتداء السافر عليها. فشرب القهوة ساخنة أمر مقدس لدى عشاقها. يجب أن لا يطرأ أي تغيير على مشروبهم المفضل. ليبقى ساخناً كما عرفوه وكما شُرب على مر السنين. أجيال تناقلوا طقوساً معينة لا يجب أن تتغير. 

بعد أعوام طويلة وقد شاب رأس ذلك العاشق المدافع عن القهوة وسخونتها. يدخل متجر حديث حيث تُشتَرى القهوة من آلات وتُشرب بأكواب ورقية. أخذ قهوتة وجلس في زاوية يرقُب الناس الذين لا يراعون حرمة للقهوة ولا لمكانتها. حيث تُشرب القهوة باردة جامدة من أي معنى وكأنها مشروب عادي يروي العطش. لا سوداء ساخنة تغذي العقل والنفس وتسمو بالروح إلى أعلى درجاتها. قال في قرارة نفسه أنا لن أغير ولن أحيد عن شربها ساخنة كما عرفتها وكما عرفها البشر من قبلي. أما تلك المعلبة الباردة فلأولئك المتسرعين في قراراتهم. الغير واثقين من اختياراتهم. الذين يحتسون القهوة وكأنها ماء بارد زلال. 

Leave a comment